قصتي الشخصية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

مختصر قصتي: 

طبيب نفسي عام General Psychiatrist مهتم في فهم الحالات النفسية بمختلف أنواعها ولجميع الفئات العمرية فهماً شاملاً. معالج نفسي للأطفال والمراهقين Child & adolescent psychotherapist يملك قدرة عالية على التواصل والفهم ومعالجة الطفل والعلاقات ضمن الأسرة. مدرّب نفسي للأطفال child Trainer وللوالدين على مهارات الوالدية الفعّالة active parenting.

قصتي بالتفصيل:

- ما قبل التخصص وبداية القصة:

إنه لا يخفى على من يعيش في مجتمعنا "كم وكم هذا المجتمع يشجع على المألوف إليه وينفر من الجديد غير المألوف عليه". واختصاص الطب النفسي في منطقتي وفي عام دخولي التخصص هو من الأخير.... 
والطب النفسي ربما للآن يعيش في مجتمعنا حالة الغربة، وكذلك ربما نحياها نحن معاشر الأطباء النفسيين الذي بت أنا واحداً منهم والحمد لله..
وخاصة أنني من بيئةٍ ضيقةٍ وبلدةٍ صغيرةٍ تدعى "معرة النعمان" تقع في شمال سورية وتبعد عن حلب حوالي 80 كم، وخاصةً أيضاً أن والدي "الدكتور زهير الحراكي" هو أقدم طبيب في المنطقة وله مكانته واحترامه، والناس وهو وأهلي ينتظرون -خلال ست سنوات طب -الدكتور ملهم !! ليحل محل أبيه في العيادة الكائنة في أفضل مكان في مدينة المعرة، والتي من شبه المستحيل أن تكون عيادة نفسية ، كون أمثال تلك العيادات بحاجة لبلدٍ كبير..
كان هدفي من دخولي الطب أن أسعد أبي وأهلي قبل أن يكون هدفي علمياً أو اجتماعياً، أي شخصياً. ولكن بات حلم الطب النفسي في مخيلتي كهدف شخصي منذ أن كنت في السنة الثانية كلية الطب، ثم أصبح حبه يتغلغل رويدا رويدا في أعماق قلبي، حيث حدثت لي بعض المواقف التي في ظاهرها المصيبة وفي باطنها الخير الكثير الكثير، غيرت هذه المواقف نظرتي للحياة. من الأمور المؤثرة حينها استماعي لمحاضرةٍ عن ضرورة تحديد هدفنا من الحياة، فتأثرت بها كثيرا وقررت حينها أن أنهي حالة العبثية في حياتي، وأنني لن أترك نفسي هكذا بدون هدف، أحيا وأموت ثم أنسى، وقررت أن أترك بصمة في هذه الدنيا بصمةَ شخصية بهويتي التي أعتز بها. وحينها فتشت في نفسي عما أهوى فوجدت فيها رغبةً هائلة في "علم هذه النفس"، تلك المخلوق العظيم التي انطوت بها حقائق هائلة لم تكتشف بعد. ووجدت الساحة المحلية كالصحراء القاحلة في هذا المجال تكاد تخلو فلا نبات ولا زرع فيها، فمهما عملت سيبرز ويفيد ويترك أثراً، فقررت أن أتخصص بعد تخرجي بالطب النفسي وخاصة "طب نفس الأطفال".
ولكن كيف سأخبر أهلي والناس من حولي بهذه الرغبة؟!!
كيف سيستقبل والدي حلمي ويتفهمه؟!!
وكانت هذه مرحلةً سريةً –إن صح التعبير- في حلمي وتخطيطي المستقبلي.

- بعد التخصص وبداية القصة والصدام !:

وشاء الله تعالى لي أن أحصل على مقعد للتخصص في الطب النفسي في وزارة التعليم العالي/ جامعة دمشق /كلية الطب، وبشكل عجيب جدا، لأنه كان أشبه بالمستحيل كون معدلي العام في الطب لا يؤهلني للتخصص في قسم الطب النفسي الذي يطلب سنوياً اثنين فقط من كل سوريا!!، لكن الله شاء لي هذا الفرع فله الفضل والمنة.
ثم جاءت لحظات البوح والجهر بالرغبة والطموح ...
وكان الصدام المؤلم مع مجتمعٍ لا يرحم:
طبيب مجانين !!! .. قد يتلخبط عقلك!!! .. طبيب نفسي عم تمزح ؟!!!
وغيرها و غيرها من العبارات الوقحة المزعجة المثّبطة. لكني كلما توغلت في الطب النفسي زاد حبي له، بل زاد عشقي له، وجدت فيه ضالتي في البحث في النفس البشرية وفهمها، في مساعدة الناس والتفريج عن آلامهم النفسية العميقة التي هي بحق أصعب من أي ألم عضوي، وجدت في الموروث الديني سندا بل دورا جوهرياً في مساعدة المرضى..
نعم وبعد أن كنت أقول أنني أتخصص في قسم الباطنة موارياً لخجلي من ذكر اسم اختصاصي خشية سماع التعليقات المزعجة، أصبحت أقول على الملأ: أنني طبيبٌ نفسيٌ فاسمعون!!، مرفقاً قولي بابتسامة الرضا ترتسم على شفتي شغفاً وحبا بهذا الفرع الرائع. لأجد نفسي أقف بين أهلي وأهالي البلدة محاضراً لعدة مرات أشرح لهم في دورة "ماذا تعرف عن الطب النفسي؟!"، وهم يستمعون ويشجعون ويقولون نحن فعلاً بحاجة لهكذا اختصاص، بعدما وجدوا الحماس والحب في نظرات عيناي ولغة حالي وقالي.

- خلال التخصص:

التقيت خلال سنوات الاختصاص بالكثير من الأساتذة أخصائيو الطب النفسي وكان لي سعادة الاحتكاك بهم من خلال المستشفى، وكان لهم كبير الأثر في نفسي ومعرفتي، أمثال:
أستاذي ومعلمي ومن أكن له بالفضل الأستاذ الدكتور يوسف لطيفة رئيس القسم- الدكتور الطيب والبارع الحاذق محمد سعيد الحافظ – الدكتورة ومن أدعوها (أم الطب النفسي) منال المختار – الدكتور المميز محمد وضاح الحجار – الدكتور الخلوق محمد كمال الشريف - الدكتور المعلم حنا الخوري – الدكتور الباحث محمد أديب العسالي.
واجتمعت مع أخونا الدكتور محمد توفيق الجندي والذي ينتمي إلى نفس البلد –معرة النعمان-وهو طبيب نفسي سوري يعمل في السعودية ، فوجدت في التعرف عليه أنساً من وحشة و وطناً في غربة.

ثم قدّر الله تعالى لي أن أحظى بما أحب من الطب النفسي وهو طب نفس الأطفال والمراهقين، حيث حظيت بكورس تدريبي حول طب نفس الأطفال والمراهقين ، برعاية جامعة هامبورغ وإشراف البروفسور ريد إيسر Prof. Riedesser (رئيس قسم طب نفس الأطفال والمراهقين، جامعة هامبورغ, ألمانيا). و تتضمن الدورة تدريب عملي على جلسات العلاج النفسي (الجماعي - العائلي) Group – Familial Psychotherapy، بإشراف المحلل النفسي الرائع والمبدع الدكتور فخري عبد الخالق (معهد العلاج النفسي – فرانكفورت). وكانت مدة هذا الكورس 3 سنوات حصلت في نهايتها على ترخيص معترف به في ممارسة العلاج النفسي للأطفال والمراهقين من جامعة هامبورغ والحمد لله.
وقد كان لهذه الدورات الأثر الكبير على ممارستي السريرية وفهم المرضى وتشخيصهم ومقاربتهم. وتمخض هنا -ولأول مرة في سوريا - بأن طالبنا مشفى الأطفال الجامعي (حينها كنت رئيساً لمقيمي النفسية) بعيادة نفسية تخصصية بحالات الأطفال و المراهقين، وكان لنا ذلك.
وخلال الأربع سنوات من التخصص والإقامة في دمشق يسر لي الله تعالى أن أقوم بالعديد من الدورات والأعمال التي أضافت لي خبرات جيدة في عدة مجالات كالعمل العيادي، كطبيب نفسي مساعد في عيادة خاصة، وكطبيب مقيم في مشفى المواساة الحكومي العام ومشفى الصفا المتخصص بالطب النفسي. والعمل الإداري فقد أشرفت على فريق عمل مكون من أخصائي تربية خاصة في مجال طيف التوحد تحت مظلة الجمعية السورية للتوحد لمدة عامين تقريباً، وكذلك كنت رئيس قسم الإرشاد النفسي في دار زيد بن حارثة لتأهيل الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية تحت مظلة جميعة قوس قزح لمدة عام تقريباً... فلله الفضل والمنة..
وكان لي عدة مشاركات كمحاضر ، كمحاضرة الإدمان الجماهيرية مع الشيخ راتب النابلسي في دمشق، ومحاضرة (ماذا تعرف عن الطب النفسي؟) في معرة النعمان وحماه، ومحاضرات تثقيف الأهالي والمجتمع حول التوحد في دمشق.
وبعد أن أنهيت فترة أربع سنوات من التدريب بإشراف أ.د. يوسف لطيفة (منذ تاريخ 16-10-2003 و العيادة النفسية لمستشفى لأطفال منذ 6-2006م وحتى 16-10-2007) في مستشفيات وزارة التعليم العالي (المواساة الجامعي و الأسد الجامعي والأطفال الجامعي) كطالب دراسات عليا ، عملت ضمن عيادتي النفسية الخاصة الكائنة في دمشق لسنة ونصف، وكذلك عملت كطبيب نفسي مشرف في الجمعية السورية للتوحد وجميعة قوس قزح المشرفة على دار زيد بن حارثة لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية و في مركز الإعاقة الذهنية/ قدسيا.

وقد أجريت بحثاً حول الاضطراب السلوكي Conduct Disorder بين طلاب المدارس السورية (انتشاره، بعض العلاقات والمشاركات) لأحصل في النهاية على شهادة الدراسات العليا Master Degree في الطب النفسي العام.

- بعد نهاية سنوات التخصص:

بعد نهاية فترة التخصص في الطب النفسي العام والعلاج النفسي للأطفال والمراهقين سافرت إلى السعودية في 3-2009 للعمل في مركز مطمئنة الطبي ( الذي كان لتوّه تم افتتاحه) في مجال الطب والعلاج والتدريب النفسي للأطفال والمراهقين بشكل خاص، تحت إشراف الأستاذ الدكتور طارق الحبيب رائد من رواد الطب والإعلام التثقيفي النفسي في العالم العربي. في مركز مطمئنة ولمدة 8 سنوات استقبلت في عيادتي النفسية مختلف الحالات ومن مختلف الأعمار وبخاصة الطفولة والمراهقة، وكان من أكثر الحالات المراجعة للعيادة النفسية من الأطفال الذين تعاملت معهم (حالات القلق عند الأطفال - رفض المدرسة - حالات طيف التوحد - تأخر اللغة - فرط الحركة وتشتت الانتباه)، إضافة لممارس الطب النفسي عن بعد Tele-Psychiatry. كما أنني درّبت مجموعات كبيرة من الأطفال لأكثر من سنتين في أكثر من 20 موضوع تدريبي، (مثل: الثقة بالنفس - القيادة - حماية الذات - التفكير الإبداعي )

- بعد دخول بلدي الحبيب سوريا دوّامة الأزمة:

التي تشتد بها يوماً بعد يوم، شكّلنا مع مجموعة من المختصين النفسيين السوريين من مختلف أنحاء العالم الجمعية السورية للصحة النفسية (اختصاراً "سمح"، الموقع الرسمي: syriasamh.com ) ، لتقديم العلاج والدعم النفسي للسوريين في الداخل والخارج السوري. كما أنني من خلال هذا الموقع أحببت أن أساهم مساهمة بسيطة في أن أقدّم الاستشارات الطبية النفسية عن بعد والتثقيف النفسي لمن تمنعه ظروفه من ذلك ..

مع إيماني العميق بأنه سيكون لعلم النفس وبالأخص علم النفس الأطفال دوراً مهماً جداً في نهضة شامنا وعالمنا العربي، كون الطفل هو المستقبل والأسرة هي لبنة من لبنات مجتمعنا.


رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ، وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين..


الدكتور ملهم زهير الحراكي
2- 2016

Back to top