الأحد, 27 تشرين2/نوفمبر 2016 16:23

سيكولوجية المشي

 

  • مقدمة وتعريف:

بدايةً أعترف أني لست ممن يدمن المشي أو يمشي يومياً أو لمسافات طويلة، ولكني أستعمل المشي كعلاج أو كحبة دواء مضادة للكآبة و لحالة حزن أمر بها أو حالة شعور بالعجز واليأس أو عند الارتباك وتراكم الضغوط عليَّ كغيري من البشر، لما أجد نفسي مثقلة بالمشاعر المزعجة وأفكاري مرتبكة ألجأ إلى المشي متوكلاً على الله وفي دقائق المشي أجد الكثير من الحلول والفرج والفرح ... 

فما هي سيكولوجية المشي ؟! وكيف يفعل المشي فعلته في النفس البشرية ؟!

قبل كل شيء أستطيع أن أعرّف #سيكولوجية_المشي على أنها دراسة المعاني النفسية للمشي كرياضة، من خلال دراسته كـ "سلوك رمزي" يخفي الكثير من الدوافع النفسي الواعية (أي التي يَعيَها الإنسان ويعرفها) أو اللاوعية (أي التي تستر على الإنسان نفسه في عقله الباطن أو ما خفي من نفسه، "الأخفى" بالمصطلح القرآني )..

  • أولاً: المشي بالنسبة لي ... من الناحية النفسية
  • مرتبط مع الأب "الدكتور زهير":

المشي عندي هو علاقة نادرة مع أب طبيب مشغول بعيادته ومع مرضاه و مسن بفارق عمري بيني وبينه 50 سنة، وفي نفس الوقت.

ربما والدي الدكتور زهير الحراكي حفظه الله لا يتذكّر سويعات المشي معه، ولكني أتذكّر تماما خطواتي معه كأي ابن يتشوّق لعلاقة ما مع أبيه الطبيب المسن مهما كانت قصيرة.

أتذكّر كيف كان يراجع معي جدول الضرب ويحفظني إياه خلال التمشية معه في شوارع مدينتي معرة النعمان وخاصةً أيام الربيع البهيج في حي يدعى وادي النسيم ( سمي كذلك لعذوبة هواءه وبرودته وخاصة أيام الصيف الحار).... وعادةً ما تنتهي هذه التمشية الجميلة في مطعم من مطاعم المعرة التي تزيّن الطريق الدولي بين حلب ودمشق، على كأس لذيذ من العيران البارد (اللبن الرائب) مرفقاً معها سندويتش من لحم الكباب الشهي ...  

  • ثم تتجدد علاقتي مع المشي مع كل ضغطٍ نفسيٍّ كنت أمر به:

خلال دراستي للطب العام في حلب ... وخلال دراستي للطب النفسي في دمشق ...

وفي كل دورة أو مؤتمر كنت أحضره كان للشوارع نصيبٌ من أفكاري وتأملاتي وغنائي، وآهاتي أيضاً وربما بكائي بصمت أو بصوت لا تسمعه إلا أحجار الرصيف وأشجاره ونباتاته  ..

كان المشي بحق معالجي النفسي البارع !

  • ثم كان للمشي نكهة مميزة مع محلل نفسي بارع آخر:

هو معلمي العزيز جداً الدكتور فخري عبد الخالق عراقي الأصل ألماني الجنسية وأستاذي في العلاج النفسي للأطفال ... وكثيرا ما كنا نلتقي فجراً خلال الدورات التدريبية معه، نمارس رياضة المشي أنا وهو، ونتبادل النقاش في كل المجالات .......  وكم وكم كان وقتاً قصيراً وثرياً !!!!

( الصورة المرفقة لي مع الدكتور فخري في المشي فجراً عام 2006 )

 

  • ثانياً: هل للمشي من سيكولوجية ما ؟!

بالطبع لكل شيء سيكولوجية معينة نحتاج أن نفهمها كي يزداد استثمارنا لهذه النعمة ... وهذا غير فوائد المشي، فمن المعروف أن للمشي فوائد جسدية ونفسية ( يمكنكم الإطلاع عليها من خلال الروابط في المقالات أسفل هذه المقالة)  ...

أما من الناحية السيكولوجية النفسية أي المشي كسلوك بشري له دوافع ومعاني، وجدت من أبرزها:

المشي تفريغ وحاجة نفسية:
لا أدري سر العلاقة ما بين الحركة الجسدية والحركة النفسية إن صح التعبير، هنالك ارتباط عجيب وأكيد ومثبت ومجرّب ما بين مشي الجسد وتفريغ النفس من ضغوطاتها!!
فليجرّب كل مضغوط كيف يكون آخر المشي غير ما كان أول المشي من حيث الحالة النفسية.

المشي مهدأ للقلق:
الحركة الرتيبة في المشي من خلال تحريك الأقدام واليدين مع الجسد بحركات نمطية stereotype تهدأ النفس المضطربة، وكأنها هدهدة توقف switch off الجهاز الحوفي اللمبي limbic system، الذي يعتبر بمثابة بيت العواطف أو فؤاد الدماغ المنذر عن إطلاق تحذيراته لنا وتخويفه لنا وتقليقه لنا ...
فالمشي يعتبر علاج خاص للأشخاص المنظمين جداً، الذين لا يتقبلون الدنيا إلا كما يريدون وهذا مستحيل بل يريدون الدنيا بشكل معين وإلا يتوترون ويقلقون ... ليتنشط عندهم الجهاز اللمبي بشكل مستمر ...
المشي رح يساعدهم في تحسين قلقهم .. بل المشي بالنسبة لهم حاجة كالهواء والماء .. وإلا سيختنقون قلقاً أو غضباً ...

المشي تعويض:
عن السعي، المشي يكسّر مشاعر العجز، ويخرجك من دوائرك المفرغة التي لا تؤدي إلى شيء إلى دوائر إنتاجية في التخطيط لحل مشاكلك والجدولة لها...

المشي بحد ذاته عمل أو تخطيط للعمل ... والتخطيط أهم بكثير من العمل نفسه... كونه يسهّل العمل ويسرّع تنفيذه بالشكل الصحيح .. إذاً المشي أيضاً يحطّم مشاعر اليأس ويعطي أملاً ما مع كل خطوة من خطواته ...

المشي نكوص طفولي ..اكتشاف!:
نعم نكوص في عمرك النفسي إلى عمر أقل ... كون المشي يعود بك إلى مشاعرك الرائعة الأولى كبيبي لما بدأت تمشي أو اكتشفت المشي، والذي اعتبرته حينها اكتشافاً عظيماً لا يقل عن اكتشاف الإنسان الأول للنار..!!!
وهذا ربما السرّ الكامن من السعادة الأتوماتيكية الآتية من خطواتك الأولى لما تمارس المشي ... ربما تحرر من أسر الماكينات ( السيارات) وربما تجدد مشاعر الطفل فيك الذي توه بدأ يمشي من جديد ...
ستجد مشاعر سعادة عجيبة في كل مرة تبدأ فيها المشي بعد انقطاع خاصةً ...

المشي هروب:
المشي بطريقة أو بأخرى شكل من أشكال الهروب من دوّامات الصراعات والعلاقات الأسرية أو العمل المعقدة ..  إلى فضاء حرّ و زمن رحب يعيد لك حريتك المسلوبة دون أي قدرة على استردادها ضمن ظرفك الحالي إلا في وقت المشي.

المشي علاج وخاصة في الصدمات والأزمات:
إن تقليب النظر في مشاهد الحياة المختلفة وإدخال صور جميلة إلى العقل ثم إلى الذاكرة الملتهبة بذكريات الصدمة المؤلمة، التي لا تبرح تتردد في جوانب العقل المسكين فتجعله يئنُّ ألماً تحت وقع ترددها ... ستجد لها ما يزاحمها من المناظر الجميلة خلال المشي والأصوات العذبة كصوت العصافير وحفيف الأشجار ولعب الأطفال ... التي تكون للذاكرة بمثابة البلسم الشافي ...

وهذه طريقة معروفة في التداوي من الأزمات والصدمات النفسية للعالم الأمريكية شابيرو وتدعى نزع الحساسية من خلال حركات العين اختصاراً .E.M.D.R..

كثيراً ما كنت أبداً المشي وخاصةً فجراً مثقلاً بتلك الذكريات المؤلمة والهم والغم والقلق من الأفكار الملحة المقتحمة إلى حيز وعيَّ، وبعد نصف ساعة مشي أو أكثر تنتهي تلك الذكريات وتلك الأفكار الخبيثة متناثرةً على أوراق الشجر، ضائعة كالأوساخ الخفيفة يحملها سيلٌ جميلٌ من المشاهد المحببة التي التقطتها من دقائق المشي ...

 

----------------------------------------------------------------------------------------------

مقالات حول موضوع المشي:

 

 

آخر تعديل على الخميس, 01 كانون1/ديسمبر 2016 11:49

رأيك في الموضوع

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.

Back to top